الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

167

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وفي هذه الآية من صيغ الوجوب صيغتان : لام الاستحقاق ، وحرف ( على ) الدال على تقرّر حقّ في ذمة المجرور بها . وقد تعسّر أو تعذّر قيام المسلمين بأداء الحجّ عقب نزولها ، لأنّ المشركين كانوا لا يسمحون لهم بذلك ، فلعلّ حكمة إيجاب الحجّ يومئذ أن يكون المسلمون على استعداد لأداء الحجّ مهما تمكّنوا من ذلك ، ولتقوم الحجّة على المشركين بأنّهم يمنعون هذه العبادة ، ويصدّون عن المسجد الحرام ، ويمنعون مساجد اللّه أن يذكر فيها اسمه . وقوله : مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا بدل من النّاس لتقييد حال الوجوب ، وجوّز الكسائي أن يكون فاعل حجّ ، وردّ بأنّه يصير الكلام : للّه على سائر النّاس أن يحجّ المستطيع منهم ، ولا معنى لتكليف جميع النّاس بفعل بعضهم ، والحقّ أنّ هذا الردّ لا يتّجه لأنّ العرب تتفنّن في الكلام لعلم السامع بأنّ فرض ذلك على النّاس فرض مجمل يبيّنه فاعل حجّ ، وليس هو كقولك : استطاع الصّوم ، أو استطاع حمل الثقل ، ومعنى اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وجد سبيلا وتمكّن منه ، والكلام بأواخره . والسّبيل هنا مجاز فيما يتمكّن به المكلّف من الحجّ . وللعلماء في تفسير السبيل أقوال اختلفت ألفاظها ، واتّحدت أغراضها ، فلا ينبغي بقاء الخلاف بينهم لأجلها مثبتا في كتب التّفسير وغيرها ، فسبيل القريب من البيت الحرام سهل جدا ، وسبيل البعيد الراحلة والزاد ، ولذلك قال مالك : السبيل القدرة والنّاس على قدر طاقتهم وسيرهم وجلدهم . واختلف فيمن لا زاد له ويستطيع الاحتراف في طريقه : فقال مالك : إذا كان ذلك لا يزري فليسافر ويكتسب في طريقه ، وقال بمثله ابن الزبير ، والشعبي ، وعكرمة . وعن مالك كراهية السفر في البحر للحجّ إلا لمن لا يجد طريقا غيره كأهل الأندلس ، واحتجّ بأنّ اللّه تعالى قال : يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ [ الحج : 27 ] ولم أجد للبحر ذكرا . قال الشيخ ابن عطية : هذا تأنيس من مالك وليست الآية بالّتي تقتضي سقوط سفر البحر . وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ناس من أمّتي عرضوا عليّ غزاة في سبيل اللّه يركبون ثبج هذا البحر » وهل الجهاد إلّا عبادة كالحجّ ، وكره ماك للمرأة السّفر في البحر لأنّه كشفة لها ، وكلّ هذا إذا كانت السّلامة هي الغالب وإلا لم يجز الإلقاء إلى التهلكة ، وحال سفر البحر اليوم أسلم من سفر البرّ إلّا في أحوال عارضة في الحروب إذا شملت البحار . وظاهر قوله تعالى : مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا أنّ الخطاب بالحجّ والاستطاعة للمرء